أبي منصور الماتريدي

604

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

سورة القارعة بسم اللّه الرّحمن الرّحيم قوله تعالى : [ سورة القارعة ( 101 ) : الآيات 1 إلى 11 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْقارِعَةُ ( 1 ) مَا الْقارِعَةُ ( 2 ) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ ( 3 ) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ ( 4 ) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ( 5 ) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ( 6 ) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ( 7 ) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ ( 8 ) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ( 9 ) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ ( 10 ) نارٌ حامِيَةٌ ( 11 ) قوله - عزّ وجل - : الْقارِعَةُ قال : القارعة عندهم هي الداهية الشديدة من الأمور ، وهي في هذا الموضع وصف لشدة هول يوم القيامة ، وهو من الله - تعالى - تذكير لعباده ، وتعجيب لهم عما يكون في ذلك اليوم من الأهوال في [ الأحوال والأفعال ] « 1 » وسمى الله - تعالى - في كتابه ذلك اليوم بما يكون فيه من اختلاف الأحوال ، نحو قوله : الْحَاقَّةُ ، و الْواقِعَةُ [ الواقعة : 1 ] ، وما أشبه ذلك ، فكذلك قوله - عزّ وجل - : الْقارِعَةُ [ تذكير لهم ] « 2 » بما وصف من حال ذلك اليوم وشدته ؛ ليتفكروا في العواقب ، ويتدبروا ما يستقبلهم في الأواخر من العذاب ؛ فيمتنعوا بذلك عما نهاهم الله - تعالى - عنه . ثم إن الله - تعالى - خلق [ في ] « 3 » بني آدم نفسا يدرك بها الشهوات واللذات في الدنيا ، وعقلا يتذكر به عواقب الأمور وأواخرها ، ويزيده ذلك تيقظا وتبصرا ، ثم العقل مرة يدعوه إلى نفسه حتى يميل إلى ما يدعوه في جزاء ما أطمع في العاقبة ، والنفس مرة تدعوه إليها ؛ فيصير هواه وميله فيما يتلذذ [ به ] من الشهوات في دنياه ، وعلى ذلك تأويل قوله : إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي . . . [ يوسف : 53 ] ، أي : [ يرحمه ويعصمه ] « 4 » عن اختيار السوء . أو رحمه حتى جعل هواه فيما توجبه العواقب من الجزاء والثواب ؛ فلذلك ذكر الله - تعالى - عباده بما يستقبلهم من الأهوال في ذلك اليوم ؛ ليعملوا عقولهم في أفكاره ، والتذكر عنه ؛ فيزدجروا عما زجرهم عنه . أو يتذكروا ما وعد لهم من الجزاء في ذلك اليوم ؛ فيزدادوا بذلك حرصا في الخيرات . وقوله - عزّ وجل - : يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ ، اختلفوا في تأويله من

--> ( 1 ) في ب : أحوال وأفعال . ( 2 ) في ب : تذكيرهم . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في ب : رحمه وعصمه .